اليوم العالمي للضمير: دعوة لتعزيز القيم الإنسانية في كل جانب من جوانب حياتنا
بقلم: المحامي عمر زين*
في 5 نيسان من كلّ سنة نحتفلُ باليوم العالميّ للضمير، ومن خلاله نؤكّدُ على أهميّة هذا المبدأ الأخلاقيّ الذي يشكّلُ أساسًا راسخًا في توجيه حياتنا اليومية وقراراتنا المهنية والاجتماعية. فالضمير ليس مجردُ فكرة فلسفيَّة بل هو قوَّة توجيهيَّة حيويَّة تُظهر تأثيرها في كافة مجالات حياتنا العملية والعلمية. من خلاله نوجه سلوكنا وأفعالنا في العمل المهني، الاقتصاد، التعليم، الصناعة، التجارة، الإعلام، والسياسة، وغيرها من المجالات التي تساهم في بناء مجتمعنا وتشكيل مستقبله.
الضمير المهني هو نقطة البداية لتحقيق النجاح المُستدام في مختلف القطاعات. ففي بيئة العمل، يتحمَّلُ كلّ فرد المسؤوليَّة الأخلاقيَّة عن إتخاذ القرارات السليمة، بناءً على قيم الأمانة، الشفافيَّة، والنزاهة. فعندما يتبنَّى الأفراد في مؤسَّساتهم الضمير المهني، فإنهم يساهمون في خلق بيئة عمل تُحترم فيها الحقوق، وتُحقّق فيها العدالة، ممَّا يعزّز الثقة في المؤسسات ويُسهم في تطوُّرها وازدهارها. إذا كانت الشركاتُ والأفرادُ يتحلّون بالضمير المهني، فإنهم يسهمون بشكل مباشر في تطوير بيئة مهنيَّة تشجّعُ على الإبتكار والإنتاجية.
أما الضمير الإقتصادي، فيعتبر من أساسيات ضمان العدالة بين جميع الأطراف في المجتمع. إن القرارات الاقتصادية التي تُتخذ في مختلف القطاعات يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار مصلحة المجتمع بشكل عام، وليس فقط المصلحة الفردية. ومن هنا، يصبح للضمير الاقتصادي دور كبير في ضمان استدامة التنمية الاقتصادية التي تراعي حقوق الأفراد، وتحمي البيئة، وتعمل على تعزيز العدالة الاجتماعية. وعليه، فإن الشركات والمؤسسات الاقتصادية يجب أن تتحلى بالمسؤولية الأخلاقية في اتخاذ القرارات التي تتعلق بالتصنيع، التوزيع، والتجارة، بما يضمن أن الفوائد الاقتصادية تعود بالنفع على الجميع.
الضمير التعليميّ يشكلُ العنصرَ الأساسيَّ في بناء المُجتمعات المُتقدمة والمُستدامة. إنَّ النظامَ التعليميَّ لا يقتصر على نقل المعرفة فقط، بل يُعد العامل الرئيسي في ترسيخ القيم الإنسانيَّة مثل العدالة، المساواة، وحرّية التفكير. من خلال التعليم، يتم تزويد الأجيال القادمة بالأدوات اللازمة لإتخاذ قرارات أخلاقية تكون في مصلحة المجتمع. يجب أن يتعاونَ المعلّمون مع الطلاب في بناء هذا الوعي، ليصبحوا قادة مسؤولين يتحلون بالضمير في جميع جوانب حياتهم.
في قطاع الصناعة، يُعد الضمير الصناعي القوة المحركة وراء تطبيق المبادئ الأخلاقية في تطوير المنتجات وتقنيات الإنتاج. إن التزام الشركات الصناعية بالمعايير البيئيَّة والأخلاقيَّة، مع تحسين ظروف العمل، يساهمُ في تقليل الأضرار البيئيَّة ويوفّرُ بيئات عمل آمنة. إن الضميرَ الصناعيَّ لا يقتصر فقط على تحقيق الأرباح، بل يتعدّى ذلك إلى تحمُّل المسؤولية الإجتماعية من خلال الإبتكار المستدام الذي يراعي حقوق الإنسان والبيئة.
الضمير التجاري يتطلَّب من التُجار وأصحاب الأعمال الالتزام بممارسات تجاريَّة شفافة وعادلة. إن اتخاذ قرارات تجارية تراعي مصالح المجتمع وتحترم القيم الأخلاقية يساهم في بناء بيئة تجارية قائمة على الثقة المتبادلة والعدالة. من خلال ضمان العدالة في الأسعار وتوفير منتجات وخدمات عالية الجودة، يعزّزُ الضمير التجاري استقرار السوق، ويُمكّن الشركات من تحقيق النجاح على المدى الطويل.
الإعلام في هذا السياق يلعب دورًا حيويًا في نشر الوعي وتعزيز القيم الأخلاقية في المجتمع. فالإعلام، بكافة أشكاله، يمتلك القدرة على التأثير بشكل مباشر في العقول والمواقف الاجتماعيَّة. من خلال تغطيته الموضوعات المتعلقة بالضمير المهنيّ، الاقتصاديّ، والتعليميّ، يمكن للإعلام أن يسهم في بناء مجتمع يسعى إلى تحسين ظروفه من خلال إتخاذ قرارات واعية وصحيحة. الإعلام له دور أساسي في نشر ثقافة الضمير بين الناس، ويجب أن يتحمَّل مسؤوليته في توفير محتوى يساهم في توجيه الأفراد نحو قرارات عادلة ومبنية على القيم الإنسانية.
يعكس الضمير الإجتماعي المسؤولية الجماعية في بناء مجتمع متماسك، يعزز من التعاون والتضامن بين الأفراد. من خلال العمل الجماعي، يمكننا التغلُّب على التحدّيات المشتركة مثل الفقر، التمييز، والتلوث البيئي. إن تعزيز الضمير الإجتماعي يتطلَّب أن يتَّخذ كلُّ فرد خطوة نحو تغيير إيجابي في مجتمعه، من خلال التضامن والعمل على تحسين الحياة الإجتماعية والإقتصادية للجميع.
أصبح الضمير البيئي ضرورة حتمية في زمن التغيرات المناخية والضغوط البيئية. يجب على الجميع، من مؤسسات وحكومات وأفراد، أن يتحملوا مسؤوليتهم في الحفاظ على البيئة. من خلال إتخاذ قرارات واعية ومسؤولة في التعامل مع الموارد الطبيعية، يمكننا ضمان استدامة البيئة للأجيال القادمة. يجب أن يكون الضمير البيئي جزءًا من جميع العمليات الاقتصادية والصناعية والتجارية.
لا يمكن أن نغفل عن دور الضمير السياسي في تعزيز القيم الإنسانية، خاصةً في ظل الظروف السياسية المتغيرة. إن على القادة السياسيين أن يتحملوا مسؤوليتهم في اتخاذ قرارات تؤثر في حياة الشعوب، وأن يلتزموا بمبادئ الشفافية والنزاهة في إدارة الشؤون العامة. وفي هذا السياق، لا يمكن إلا أن نذكر الرئيس الراحل سليم الحص، الذي جسد على مدى سنوات مسيرته المهنية، مثالًا حقيقيًا للضمير السياسي الذي إرتكز على الحكمة والعدالة في خدمة الوطن والشعب.
في هذا اليوم العالميّ للضمير، نُؤكد على ضرورة أن يتحلّى الجميعُ بالضمير في كل جانب من جوانب حياتهم اليوميَّة والمهنيَّة. إن هذا المبدأ لا يقتصر فقط على الأفراد، بل يجبُ أن يشمل المؤسسات والحكومات التي تتحمَّلُ مسؤوليةً كبيرةً في ضمان العدالة والمساواة. من خلال الإعلام، التعليم، الصناعة، التجارة، والإقتصاد، يمكننا بناء عالم أفضل قائم على القيم الإنسانية النبيلة، حيث يتم إحترام حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة، وتحقيق العدالة الإجتماعية.
وفي هذا السياق، يبقى الضمير الإنسانيّ هو الرَّكيزة الأساسيَّة للوقوف مع المظلومين ضد الظالمين، ولمساندة المُستعمَرين في نضالهم ضُد المُستعمرين، والتصدّي لكلّ أشكال الإبادة والتهجير والعنصريّة التي تُهدّدُ البشريَّة، وفي مُقدّمتها شعبا لبنان وفلسطين. فالضميرُ الإنسانيّ يفرضُ علينا مؤازرة الأسرى والمُعتقلين في سجون الإحتلال الصهيونيّ، والمُطالبة بالإفراج عنهُم، وعدم السُّكوت أمام إنتهاك المواثيق والمُعاهدات الدوليَّة عبر قتل الأطفال، وهدم المُستشفيات، وإستهداف المُسعفين، ومنع الماء والكهرباء والوُقود والمواد الغذائيَّة … عن غزَّة. كما يستدعي العمل بكلّ الوسائل المتاحة لمُحاسبة الكيان صهيونيَّ على جرائمه، ومُحاسبة كلّ دولة تُساندُه بالسلاح والمال وتستخدمُ حق الفيتو لإجهاض أيّ قرار أمميّ يخدمُ القضايا العربيَّة.
يدعونا الضمير الإنسانيّ لدعم شعوب الأرض التي وقفَت وما زالت تقف معنا وذلك في كلّ قضاياها الإنسانيَّة.
ختامًا، إن الضمير ليس فقط دافعًا أخلاقيًا في حياة الفرد، بل هو الركيزة التي نتمسك بها جميعًا لضمان استدامة العدالة والسلام في مجتمعاتنا. فلنعمل جميعًا، بكل عزم، على أن يكون الضمير حاضراً في كل قرار، وكل عمل، وكل خطوة نتخذها، من أجل بناء عالم أفضل لأجيالنا القادمة.
إستيقاظ الضميرُ الإنسانيّ من السُّبات يُبقي البشريّة بدلاً من زوالها.
* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب